بَرَاشَات بَلَاق - العَلَاء الثالثة
اقرأ النص التوراتي وحاول أن تفهمه بنفسك، قبل قراءة التفسير.
لحظة واحدة من العمى الداخلي يمكن أن تقود الإنسان إلى الهاوية، حتى لو كان يرى كل شيء بعينين مفتوحتين. بلعام يخرج إلى الطريق مع رؤساء وكرامة وإحساس برسالة، لكن تحت السطح طريقه يثير غضباً إلهياً.
“فَيِّحَر أف إلوهيم… فَيِّتْيَتْسيف مَلأخ أدوناي بَدِّيرِخ لِساطان لُ” (واشتد غضب الله… ووقف ملاك أدوناي في الطريق خصماً له، الآية 22). بالضبط الأتان، البهيمة البسيطة، ترى الملاك. بلعام، النبي ذو العين الحادة، يبقى أعمى. ثلاث مرات تحاول الأتان أن تنحرف عن الطريق. ثلاث مرات يضربها. حتى يفتح القدوس فمها، وهي تتكلم.
لحظة سامية. نبوءة لبهيمة. وتقول الجملة التي ينبغي أن تهز نفس كل إنسان يشعر بأنه على حق أكثر من اللازم: “مي عَسيتي لِخا… هَلُ أنُخي أتُنخا أشير راخَفتا عَلاي… هَهَسكين هِسكَنتي لَعَسُت لِخا كُ” (ماذا فعلت لك… ألست أنا أتانك التي ركبت عليها… هل اعتدت أن أصنع لك هكذا، الآيات 28-30).
عندئذ فقط تنفتح عيناه. عندئذ فقط يرى الملاك ويفهم أنه أخطأ. “حاطاتي” (أخطأت)، يعترف (الآية 34). لكن حتى هنا، التوبة ليست كاملة. هو يواصل طريقه. والآية الأخيرة في العَلَاء تلخص كل شيء: “هَدَّفار أشير ياسيم إلوهيم بِفي أُتُ أدَبّير” (الكلمة التي يضعها الله في فمي، تلك أتكلمها، الآية 38). كلامه مُسلَّم، لكن قلبه لا يزال متمسكاً بسلطته الخاصة.
الفكرة الداخلية هنا حادة. الإنسان قد يخرج في رحلة باسم الحقيقة، لكن دون أن يفحص عمق نواياه. حتى النبي يستطيع أن يُعمي نفسه. الكبرياء، الرغبة في النجاح، التوقعات، تغلفه كسحابة. وفقط صوت خارجي غير متوقع، أتان أو طفل أو حادثة بسيطة، يمكن أن يوقظه ليتوقف.
هذه دعوة عظيمة لنا: هل نسمع الأصوات التي تحاول إيقافنا في طريقنا؟ هل نحن منفتحون لرؤية ملاك، حتى حين نكون متيقنين من صواب طريقنا؟
المزيد من الأسئلة عن البارشا
لماذا تتجلى جمالية إسرائيل تحديداً من خلال عيني عدو؟
إحدى أجمل الجمل التي قيلت يوماً عن شعب إسرائيل لم يقلها موسى ولا هارون، بل قالها بَلعام، الرجل الذي استُؤجر ليلعن. تكشف بارشات بالاق حقيقة مزلزلة: هناك جمال يراه الصديق لأنه يريد أن يراه، وهناك جمال يُجبَر العدو على رؤيته حتى وهو يحاول إنكاره. والثاني أقوى.
الفعل 'ڤَيار' (ورأى) يتكرر مرات كثيرة في بارشات بالاق - ما هي المعاني الخفية وراء ذلك؟
في بارشات بالاق ليس جذر 'الرؤية' فعلاً تقنياً للرؤية. إنه يتحول إلى اختبار: من يرى حقاً، وما الذي يستطيع أن يراه. بالاق يرى خوفاً، والأتان ترى ملاكاً، وبَلعام في البداية لا يرى شيئاً، وفِنحاس يرى ويقوم على الفور. أربع رؤى مختلفة، أربعة أنواع من النفوس.
ما الذي رآه بَلعام حقاً في معسكر إسرائيل ودفعه لأن يقول بركة بدلاً من لعنة؟
لا تقول التوراة إن بَلعام رأى فقط خياماً جميلة من الخارج. تقول إنه رأى نظاماً داخلياً. كان يبحث عن نقطة انقسام، فوجد معسكراً فيه حدود وعائلات وأسباط وهوية. جاء بَلعام ليلعن جمهوراً من الخارج، فاكتشف من الداخل شعباً له شكل.
هل تعلّم بارشات بالاق أن الإنسان قد يكون محاطاً بأعداء، ولا يدري إطلاقاً كم من الحماية فوقه من العلاء؟
يصعد بَلعام إلى الجبل ليلعن، وموآب يخاف، ويُرسَل الرسل، وطوال هذا الوقت شعب إسرائيل في الأسفل لا يعرف حتى ما يجري. تفتح بارشات بالاق نافذة على ما خلف الكواليس: هناك حماية لا يراها الإنسان، ولا يسمعها، ولا يعرف أن يشكر عليها في حينها.