الفعل 'ڤَيار' (ورأى) يتكرر مرات كثيرة في بارشات بالاق - ما هي المعاني الخفية وراء ذلك؟
في بارشات بالاق ليس جذر ‘الرؤية’ مجرد فعل تقني للرؤية. إنه يتحول إلى اختبار: من يرى حقاً؟ وما الذي يستطيع أن يراه؟
تبدأ البارشاة بالكلمات: “ڤَيار بالاك بِن تصِبور إت كول أشير عَسا يِسرائيل لاإمورِي” (ورأى بالاق بن صفور كل ما عمله إسرائيل بالأموري، العدد ٢٢:٢). بالاق يرى. لكن ماذا يرى؟ يرى قوة، وتهديداً، وخطراً. ويُقال مباشرة بعد ذلك إن موآب خافوا جداً. هذه رؤية تولّد القلق. بالاق لا يرى إسرائيل حقاً. إنه يرى مخاوفه هو من خلال إسرائيل.
ثم تأتي المرحلة الثانية: يحاول بالاق أن يتحكم بما سيراه بَلعام. يأخذه إلى المكان الذي يقال عنه: “ڤَيار مِشام كِتصيه هاعام” (ورأى من هناك طرف الشعب، العدد ٢٢:٤١). هذا مذهل: بالاق لا يدع بَلعام يرى الصورة كاملة، بل طرفاً فقط. فكرة استدلالية: من يريد أن يلعن، عادةً لا ينظر إلى الكلّ. يبحث عن طرف، أو زاوية، أو تفصيل منعزل، ومنه يبني لائحة اتهام على الكلّ.
ثم يستمر بالاق بالأسلوب نفسه ويقول لبَلعام: “إفِس كَتصيهو تِريه ڤِخولو لو تِريه” (طرفه فقط ترى وكلّه لا ترى، العدد ٢٣:١٣). هذه ربما واحدة من أعمق تعريفات العين الشريرة: أن ترى قليلاً، وتحكم على الكلّ.
لكن في وسط البارشاة، تقلب التوراة اللعبة كلها. من يرى الحقيقة؟ ليس بالاق. ليس بَلعام. الأتان هي التي ترى. ترى ملاك الرب في الطريق، وبَلعام لا يرى. أي أن التوراة تقول كأنها: يمكن للإنسان أن يكون عظيماً، ذا قدرات روحانية، ومع ذلك يكون أعمى تماماً عما يقف أمامه. المشكلة ليست في العينين، بل في التعلق الداخلي. من يسير وراء الكرامة والإرادة الذاتية والمصلحة، قد يفقد القدرة على الرؤية.
ثم يأتي المشهد الذروة: “ڤَيار بِلعام كي طوڤ بِعيني هاشيم لِڤاريخ إت يِسرائيل” (ورأى بَلعام أنه طيب في عيني الرب أن يبارك إسرائيل، العدد ٢٤:١). هنا يبدأ بَلعام يرى لا ما يريد بالاق أن يراه، بل ما هو طيب في عيني الرب. هذه هي نقطة التحول.
ومباشرة بعدها: “ڤَيِسا بِلعام إت عيناڤ ڤَيار إت يِسرائيل شوخين لِشڤاطاڤ ڤَتهي عَلاڤ روح إلوهيم” (ورفع بَلعام عينيه ورأى إسرائيل مقيماً بحسب أسباطه، فحلّ عليه روح الله، العدد ٢٤:٢). هنا لم يعد يرى “طرف الشعب”. إنه يرى إسرائيل بأسباطه، كنظام، كبنية كاملة. وعندئذ تخرج البركة: “ما طوڤو أوهاليخا ياعَكوڤ مِشكنوتيخا يِسرائيل” (ما أحسن خيامك يا يعقوب، مساكنك يا إسرائيل، العدد ٢٤:٥).
وهذا هو التجديد المذهل: كل بارشات بالاق هي حرب على زاوية الرؤية.
بالاق يرى خوفاً. الأتان ترى ملاكاً. بَلعام في البداية لا يرى شيئاً. بالاق يحاول أن يجعله يرى طرفاً فقط. والرب يجبره على رؤية إسرائيل في كماله. وفي اللحظة التي يرى فيها الكمال، تنقلب اللعنة إلى بركة.
لذلك فالمعنى الخفي لـ ‘ڤَيار’ في البارشاة ليس مجرد “نظر”. بل: من أي مكان في النفس نظر؟
هناك رؤية تفكك، ترى العيوب فقط. وهناك رؤية تخاف، ترى التهديد في كل شيء. وهناك رؤية مصلحية، ترى فقط ما تريد أن تجده. وهناك رؤية إلهية، ترى النظام الداخلي، والمعسكر كله، والبركة المخفية وراء التفاصيل.
وماذا عن “ڤَيار فِنحاس” في نهاية البارشاة؟
هذه إكمال قوي لما قيل. إذا رأينا حتى الآن كل أنواع الرؤية، ففي نهاية البارشاة تأتي رؤية من نوع جديد كلياً: رؤية تقود إلى الفعل.
يقول النص: “ڤَيار بِنحاس بِن إلعازار بِن أهارون هاكوهين ڤَياكوم مِتوخ هاعيدا ڤَيِكاح روماح بِيادو” (ورأى فِنحاس بن العازار بن هارون الكاهن، فقام من وسط الجماعة، وأخذ رمحاً في يده، العدد ٢٥:٧).
انظروا إلى البنية: بالاق يرى ويفزع. الأتان ترى وتتوقف. بَلعام يرى ويبارك. فِنحاس يرى ويقوم.
هناك فكرة استدلالية عميقة هنا: ليس كل من يرى، يقوم. هناك من يرى ويفزع. وهناك من يرى ويتكلم. وهناك من يرى ويفهم أن اللحظة تتطلب منه أن يقوم من وسط الجماعة.
وهذا دقيق في النص. ليس مكتوباً فقط أنه رأى. مكتوب فوراً: “وقام من وسط الجماعة”. فِنحاس لم يبقَ متفرجاً من الجانب. خرج من حالة جماهير تبكي ومضطربة، إلى فعل حسم. النص الذي قبله يصف أن الأمر فُعل “لِعيني موشيه أُوْلِعيني كول عَدات بِنيه يِسرائيل” (أمام عيني موسى وأمام عيني كل جماعة بني إسرائيل، العدد ٢٥:٦)، وهم يبكون عند مدخل خيمة الاجتماع. الجميع يرى. لكن فِنحاس هو من تتحول رؤيته إلى قيام.
فبالاق رأى إسرائيل من الخارج، ورأى خطراً. وبَلعام رأى إسرائيل من فوق، ورأى بركة. وفِنحاس رأى الأزمة من الداخل، ورأى مسؤولية.
“ڤَيار فِنحاس” ليس مجرد ظهور آخر لجذر ‘الرؤية’. إنه إغلاق الدائرة بأكملها. تعلّم التوراة أن الرؤية الحقيقية لا تنتهي بالإعجاب، أو بالخوف، أو حتى بالبركة. أحياناً تتطلب الرؤية الحقيقية من الإنسان أن يسأل: ما الذي يريده مني الرب في هذه اللحظة بالذات؟
تبدأ بارشات بالاق برجل يرى الشرّ حيث توجد بركة. وتستمر برجل يُجبَر على رؤية بركة حيث أراد أن يلعن. وتنتهي برجل يرى فساداً، ولا يقبل أن يكون أعمى باسم الراحة.
أكثر العيون استقامةً في البارشاة ليست فقط العين التي ترى الخير. إنها العين التي تعرف متى يتطلب الخير أن تقوم.
مزيد من المقالات في السلسلة عن النظر في بارشات بالاق:
- لماذا تتجلى جمالية إسرائيل تحديداً من خلال عيني عدو؟
- ما الذي رآه بَلعام حقاً في معسكر إسرائيل ودفعه لأن يقول بركة بدلاً من لعنة؟